بوابتكم لخطب الجمعة الشريفة

ارتقِ بمعرفتك الدينية واصل إلى أحدث خطب الجمعة من مصادر موثوقة. نقدم لكم محتوى راقٍ ومنظم لخدمة الخطباء والمصلين.

أحدث الخطب المضافة

عرض الكل ←
العقيدة

مركزية الأخرة في حياة المسلم

👤 أحمد📅 2026-05-17

بسم الله الرحمن الرحيم الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، وأحذركم من معصيته ومخالفة أمره. يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أيها الإخوة الكرام، تناولنا في الخطب السابقة سلسلةً من المواضيع لمعالجة حالة الوهن التي تعيشها الأمة؛ فبدأنا بتصحيح مفهوم الرزق، وقلنا إن الرزق بيد الله وحده، وإن الضامن الوحيد والحقيقي لرزقك هو الله سبحانه وتعالى، وما السعي إلا واجب شرعي وحالة من الحالات التي قد يأتي فيها الرزق وقد لا يأتي. لذلك على المسلم أن يطمئن، وألا ينشغل بلقمة العيش عن نصرة دينه، وألا يركن إلى متاع الدنيا الزائل فيضيع الآخرة. ثم تناولنا موضوع الموت، وبيّنا أن سبب الموت الوحيد هو انتهاء الأجل لا غير؛ فالإنسان لا يعلم متى ينتهي أجله ولا بأي أرض يموت، وهذا يجعل من المسلم شجاعًا مقدامًا لا يخاف الموت، نعم لا يخاف الموت، يعمل لدينه ويضحي في سبيله دون تردد. وبيّنا أن مفهوم الموت لا بد أن يتركز في الذهن في مقابل لقاء الله؛ أي إن الموت هو لقاء الله المنتظر، وهذا المعنى أيضًا يجعل المسلم على استعداد دائم للقاء الله جل وعلا، وذلك بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه. وفي الخطبة السابقة تحدثنا أيضًا عن مفهوم التوكل على الله، وقلنا إنه ليس كلمات جوفاء ولا شعارًا شكليًا، وإنما هو قوة دافعة تدفع المسلم لتحديد أهداف عظيمة والعمل الجاد لتحقيقها مستعينًا بالله ومتوكلًا عليه. وها نحن اليوم نستكمل هذه السلسلة من المواضيع بموضوع مهم يعتبر من أعمدة الإيمان، وهو مركزية الآخرة في حياة المسلم، وألا يعظم المسلم ما حقّر الله، وأن يحقّر ما عظّم الله؛ أي أن يقيس المسائل والأمور بمقياس الوحي لا بالمقاييس المادية المنفصلة عن الوحي. أيها الإخوة الكرام، يصور لنا القرآن رحلة الإنسان منذ أن كان نطفةً إلى علقة ثم مضغة، فيقول ربنا تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة يبين لنا مراحل الإنسان ويصور لنا أطواره منذ نشأته إلى مماته ثم إلى مصيره. يصور لنا سبحانه أطوار تكوين الجنين في بطن أمه، وينتقل بنا من طور إلى طور؛ من النطفة إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، وهكذا إلى أن يقول ربنا جل وعلا: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}. وفجأة ينتقل بنا نقلة سريعة فيقول سبحانه: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} لعلكم لاحظتم يا عباد الله أن هناك فترةً يعيشها الإنسان لم تُذكر في هذه الآيات. أين هي الحياة؟ أين هي الفترة الزمنية التي يقضيها الإنسان منذ أن يخرج من بطن أمه إلى أن يموت؟ هذه الفترة لم تُذكر في هذه الآيات. ذكر ربنا سبحانه مراحل الإنسان في بطن أمه وتكوينه وأطواره، ثم انتقل مباشرة إلى ذكر الموت والبعث يوم القيامة. أين هي هذه الحياة؟ إنها أحقر وأقصر من أن تُذكر. نعم، إنها أحقر وأقصر من أن تُذكر. هذه الآيات تنبهنا إلى حقيقة الحياة الدنيا، وتنبهنا إلى مكانتها وقيمتها عند الله جل وعلا، لدرجة أنه سبحانه لم يذكرها. هذه الدنيا التي تعاظمت في قلوب الناس، فتعلقوا بها وأحبوها وركنوا إليها، وكرهوا التضحية في سبيل دينهم، وكرهوا الموت في سبيل الله، فأصابنا الوهن، وتكالبت علينا الأمم، وصرنا غثاءً كغثاء السيل. ومن هنا نفهم أن الحياة الدنيا لا بد أن تكون وسيلة لا غاية، وجسرًا نعبر عليه إلى الآخرة. فمن الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الكثيرون أنهم لا يفرقون بين الغاية والوسيلة، والأخطر من ذلك أن تتحول الوسيلة إلى غاية، كما تحولت الدنيا من كونها وسيلةً للنجاة والفوز يوم القيامة إلى غاية وهدف تنتهي إليها آمال الكثير من المسلمين وطموحاتهم. وأصل هذا الانحراف هو في طريقة التفكير؛ لأننا لم نعد ننظر إلى الحياة من منظور كتاب الله، ولم نعد نزن الأمور بميزان الوحي. ولذلك تجد المسلم يعظم ما حقّر الله، ويحقّر ما عظّم الله، وهذا أخطر خطأ يمكن أن يقع فيه المسلم. يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} أيها الإخوة الكرام، يذكر لنا القرآن حضارات عظيمة قديمة في التاريخ حققت منجزات مادية مذهلة؛ كقوم عاد وثمود. أما عاد فقد كانوا يتمتعون ببنية جسدية استثنائية وكثافة سكانية عظيمة، وكانوا يبدعون في فنون العمارة، كما قال ربنا تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} ويصف لنا القرآن قصورهم ومنشآتهم الضخمة وقوتهم العسكرية الهائلة، فيقول ربنا تبارك وتعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}. وكذلك قوم ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، نعم كانوا أيضًا في قوة وعظمة ومنجزات مادية كثيرة، كما قال تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ}. القرآن يصف لنا هذه الحضارات ومنجزاتها المادية الضخمة الاقتصادية والعسكرية، ولكنهم كانوا لا يوحدون الله جل وعلا، وكانوا يصدون عن سبيل الله ويتمردون على أحكامه. فهل شفعت لهم منجزاتهم المادية شيئًا؟ هل عظّمهم ربنا جل وعلا؟ نجد الجواب في كتاب الله جل وعلا إذ يقول سبحانه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} دمّرهم ربنا سبحانه وتعالى؛ لأنهم حولوا الحياة الدنيا من كونها وسيلة إلى غاية، فصدوا عن سبيل الله وكذبوا الرسل واستحبوا الدنيا على الآخرة، فأهلكهم الله جل وعلا يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا يا رب العالمين أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أيها الإخوة الكرام، إننا نعيش في زمن انقلبت فيه الموازين؛ فتعظيم الدنيا في القلوب يجعل نظرة المسلم إلى الحياة نظرةً مادية. فهو حين يرى دول الغرب، ويرى ناطحات السحاب، ويرى منجزاتهم التقنية والتكنولوجية، ويرى قوتهم العسكرية وفائض المال الذي عندهم، حين يرى كل ذلك يصاب بالانبهار، ويعظم تلك الدول وتلك الأمم، ويحتقر نفسه، ويصاب بحالة شعورية مقيتة من الانهزامية والدونية أمامهم؛ لأنه منفصل عن ميزان الوحي، ومنفصل عن ميزان ربه ومولاه. هؤلاء، أو تلك الأمم، ما قيمتها عند الله؟ هي في ميزان الله أمم ظالمة، أمم قد انحرفت عن صراط الله المستقيم، وهي في ميزان القرآن أمم فاسدة منحطة. وصفهم القرآن بالأنعام بل هم أضل، كما في قوله تعالى: {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} بينما غزة، تلك البقعة الصغيرة المحاصرة، التي تُقتل يوميًا وتُجوَّع وتُمنع عنها أسباب العيش، والتي لا تملك من حطام الدنيا شيئًا، هي عظيمة عند الله؛ نعم عظيمة عند الله؛ لأنها صبرت، ولأنها جاهدت، ولأنها ثبتت. أما الأمم الأخرى التي تملك المليارات والأساطيل، فلأنها صدت عن سبيل الله واستحبت الدنيا على الآخرة وبغت في الأرض، فهي أمم محتقرة عند الله جل وعلا مهما ملكت من متاع الدنيا وزينتها. وهذا لا يعني مطلقًا أننا لا نسعى في امتلاك القوة المادية؛ فهذا واجب على الأمة الإسلامية، أن تمتلك كل أسباب القوة، لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} نعم، فُرض علينا أن نكون أقوى الأمم اقتصاديًا وتقنيًا وعسكريًا، ولكن علينا مع ذلك أن ننتبه إلى أن تبقى هذه القوة وسيلة لا غاية؛ وسيلة لتحقيق العبودية لله في الأرض، ووسيلة لتمكين دين الله، ووسيلة ليهيمن هذا الدين على الدين كله، ووسيلة ليسود الإسلام الأرض كما أمرنا بذلك رب العالمين، وبشرنا بذلك سيد المرسلين نبينا محمد ﷺ حين قال: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر» الدعاء اللهم يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا بر يا رحيم، اللهم اجعلنا من الذين يعظمون ما عظمت، ويحتقرون ما حقرت. اللهم اجعل موازيننا موازينك يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين. اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان. اللهم كن مع إخواننا في غزة، اللهم ثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وكن معهم يا رب العالمين. ربنا خذلهم إخوانهم، فكن معهم ناصرًا ومعينًا. اللهم عجل لهم بفرجك، اللهم عجل لهم بنصرك، اللهم أفرغ عليهم صبرًا، اللهم اربط على قلوبهم، وكن معهم يا رب العالمين. اللهم أطعم جائعهم، وآمن خائفهم، واشف مرضاهم، وتقبل شهداءهم. اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم وتآمر عليهم، يا قوي يا عزيز، يا جبار السماوات والأرض. اللهم ألف بين قلوبنا، ووحد صفوفنا، واجعلنا كالبنيان المرصوص. ربنا ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. اللهم جنبنا وأبناءنا ونساءنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، يا أكرم الأكرمين. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم انزع حب الدنيا من قلوبنا، اللهم انزع الوهن من هذه الأمة، يا رب العالمين. اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا فقراء فأغننا، وإنا أذلاء فأعزنا بالإسلام، يا كريم يا الله، يا قوي يا الله، يا رزاق يا الله. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وأموالنا من الربا، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة؛ إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يا قوي يا عزيز، يا جبار السماوات والأرض، يا قهار يا الله. اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيرًا فخذ بيده ووفقه لكل خير، ومن أراد بالإسلام والمسلمين شرًا فخذه أخذ عزيز مقتدر؛ إنهم لا يعجزونك يا أكرم الأكرمين. توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اقرأ المزيد👁️ 1 مشاهدة
العبادات

ليلة القدر بين فضل الدعاء وضرورة الأخذ بالأسباب

👤 أحمد📅 2026-05-17

ليلة القدر بين فضل الدعاء وضرورة الأخذ بالأسباب الخطبة الأولى يقول ربنا تبارك وتعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ إن ليلة القدر ليلة يعجز الإدراك البشري أن يحيط بعظمتها؛ وذلك لعظم فضلها وشرفها وخيرها وبركتها. فهي الليلة التي لم تشهد الأرض مثلها في عظمتها وفي آثارها على الحياة البشرية، لأنها الليلة التي بدأ فيها نزول القرآن الكريم على قلب نبينا محمد ﷺ. وقد تباينت اجتهادات العلماء في تحديد ليلة القدر، بيد أن الراجح من أقوالهم أنها تُلتمس في الوتر من العشر الأواخر. وأما أفضل الأعمال في هذه الليلة فهو الدعاء، وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: «الدعاء أحب إلي في هذه الليلة من الصلاة.» فالدعاء في الإسلام عبادة جليلة، بل هي مخ العبادة، والله يحب العبد الذي يلح عليه في الدعاء، وقد قال نبينا محمد ﷺ: «أعطيت أمتي ثلاثاً لم تعط إلا الأنبياء»، وذكر منها: «وكان الله إذا بعث نبياً قال: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: ادعوني أستجب لكم.» ورب سائل يسأل: لماذا ندعو فلا يستجاب لنا ولا نرى أثر دعائنا في واقعنا؟ إذ ما زالت الأمة تعاني من الويلات، تراوح مكانها في ذيل الأمم، تنهب ثرواتها وتُسفك دماء أبنائها، وتنتهك أعراضنا ويستهزأ بمقدساتنا، وما زالت الأمة مفرقة إلى 56 دولة تفصل بينها حدود وهمية. إن المسلمين في غزة يستغيثون منذ عقود، والمسجد الأقصى يئن من وطأة الصهاينة وطغيانهم. وهذا الواقع يشير إلى انحراف في فهمنا لمفهوم الدعاء؛ إذ يظن البعض أن النصر معجزة تنزل من السماء بالدعاء وحده والانتظار. لكن الله دبر الوجود بنظام محكم يربط النتائج بأسبابها؛ ففي غزوة بدر، الرسول ﷺ كان يعد العدة ويضع الخطة ويأخذ بكل أسباب النصر ويدعو الله تعالى. فالاقتداء بالنبي ﷺ يكون بإعداد العدة والعمل لنصرة الإسلام مع الدعاء، كما فعل صلاح الدين حين وحد المسلمين فكانت حطين، والظاهر بيبرس حين رص الصفوف فكانت عين جالوت. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. إن لاستجابة الدعاء موانع شرعية كثيرة كأكل الحرام. وإن الاعتداء على الناس في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم هو من موانع استجابة الدعاء؛ كحرمان المرأة من نصيبها في الإرث، أو عدم إعطاء الأجير حقه، أو أكل الربا والرشوة، أو تضييع الأب لأهله. ومن أعظم الموانع وأخطرها تعطيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث يقول ﷺ: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعونني فلا أجيب لكم، وتسألونني فلا أعطيكم، وتستنصرونني فلا أنصركم». لذا يجب ألا نترك الدعاء، بل نكثر منه ونلح فيه مع إضافة العمل بإقامة الدين والاهتمام بقضايا المسلمين، فنحن في أيام وليال مباركة، فاجتهدوا في الدعاء وأحسنوا الظن بالله الدعاء اللهم يا رب العالمين ويا أكرم الأكرمين، يا ذا الجلال والإكرام، أدخلنا في رحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ربنا تقبل دعاءنا وصيامنا وقيامنا، وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا من النار. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا. اللهم إنا نسألك الخير كله ونعوذ بك من الشر كله، يا بر يا رحيم، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. يا مغيث أغثنا، اللهم إنا مغلوبون فانتصر لنا، وإنا ضعفاء فقونا، وإنا فقراء فأغننا يا رب العالمين. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظ دماء المسلمين في السودان وفلسطين وفي كل مكان. اللهم ثبت أقدام إخواننا المرابطين في غزة، واربط على قلوبهم، وسدد رميهم بفضلك يا أكرم الأكرمين. اللهم الطف بهم، وتول أمرهم، وأطعم جائعهم، وآمن خائفهم، وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم. اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنة مأواهم. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك. اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة؛ فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فخذ بيده ووفقه لكل خير، ومن أراد بهم شراً فخذه أخذ عزيز مقتدر. توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، وصل اللهم على نبيك الأمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اقرأ المزيد👁️ 1 مشاهدة
قضايا معاصرة

فِلَسْطِينُ... لَيْسَتْ هِيَ ٱلْقَضِيَّةَ ٱلْمَرْكَزِيَّةَ لِلْأُمَّةِ

👤 أحمد📅 2026-05-17

بسم الله الرحمن الرحيم الخطبة الأولى الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. إنَّ الصراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، وبين الخير والشر، سُنَّةٌ ربانية دائمة لا تتخلَّف في أي عصر من العصور. وكان دائمًا هدف أعداء هذه الأمة القضاء على أمة الإسلام، أو صرف المسلمين عن دينهم، كما قال ربنا جلَّ وعلا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسيره لهذه الآية الكريمة: أي إنَّ فتنتهم وقتالهم سيدومان إلى أن يحصل غرضهم، وهو أن يردُّوكم عن دينكم. انتهى كلامه رحمه الله. إذن، فالأمة الإسلامية عبر تاريخها واجهت الكثير من الخصوم والأعداء الذين لا تجمعهم راية ولا غاية إلا حرب الإسلام وأهله. واجهت هذه الأمة العريقة في بدايتها المشركين العرب، ثم واجهت الروم الصليبيين، ثم واجهت الفرس المجوس، وكذلك واجهت في شمال إفريقيا البربر الوثنيين. وتعرَّضت لحملات صليبية عنيفة لأكثر من قرنين من الزمان، ثم لحملات المغول المتوحشة. وكذلك في العصر الحديث واجهت هذه الأمة زحفًا شيوعيًا محمَّلًا بأفكار الإلحاد، واستعمارًا غربيًا ليبراليًا محمَّلًا بأفكار الانحلال والفوضى الأخلاقية. واليوم، في غزة، تسيل الدماء؛ نعم، دماء الأطفال والنساء والشيوخ. تُرتكب المجازر، ويجوع الناس، وتُهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ويُشرَّد الأبرياء، ويُحاصر أهلها في لقمة عيشهم، ويُعتدى عليهم ظلمًا وعدوانًا. ولكن هذه المأساة ليست حكرًا على غزة، فما يوجد في غزة ما هو إلا جرح غائر من بين جراح هذه الأمة الإسلامية. فكشمير ما زالت تحت الاحتلال، والإيغور المسلمون يُضطهدون في معسكرات القهر والتنكيل، ومسلمو بورما يُحرَقون أحياءً، والسودان ينزف، وليبيا واليمن وسوريا تمزقها الحروب والانقسامات. وأكثر المسلمين اليوم يعانون الفقر والخصاصة، ويُحرمون أبسط حقوقهم في الرعاية والكرامة. مآسٍ كثيرة ومتعددة، كثيرة هي مآسي هذه الأمة، وكثيرة هي جراحها، ولكن علَّتها واحدة، وهي أعراض لعلة واحدة، ألا وهي غياب سلطان الإسلام. فقد كان أعداء المسلمين يهابون المسلمين، ولا يتجرؤون عليهم، لأنهم يعلمون أن وراءهم إمامًا وحاكمًا يحميهم؛ يحمي بيضتهم، ويحمي بلادهم، ويحمي أعراضهم وكرامتهم. كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: "إنما الإمام جُنَّة، يُقاتَل من ورائه ويُتَّقى به"، أي إنه درع وحماية للمسلمين، يوحِّد صفهم تحت راية الإسلام، ويحمي رسالة الله إلى العالم. نعم، أيها الإخوة الكرام، إنها الوحدة التي يخشاها هذا الغرب، والتي يخشاها كل عدو للمسلمين: وحدة المسلمين. يصرِّح أحد الشخصيات الغربية للصحافة فيقول: إن الخطر الحقيقي هو الذي يمكن أن يُحدثه المسلمون بتغيير نظام العالم. فقيل له: ولكنهم منشغلون في انقساماتهم وخلافاتهم ونزاعاتهم وحروبهم الداخلية. فقال: إني أخشى أن يخرج من بينهم من يوجِّه خلافهم إلينا، إني أخشى أن يخرج من بينهم من يوجِّه خلافهم إلينا. نعم، هذه الحقيقة، أيها الإخوة الكرام، التي يجهلها الكثير من المسلمين، والتي يدركها أعداء الإسلام: أن قوة هذه الأمة في وحدتها، وفي اعتصامها بدينها. وشخصية أخرى من كبار مفكري الغرب يصف قوة المسلمين ويحللها، ثم يخرج بالتصريح التالي، وسأنقل إليكم ما قاله حرفيًا، يقول معدِّدًا مقومات قوة المسلمين: إن مقومات القوة في الشرق الإسلامي تنحصر في ثلاث عوامل: أولًا: في قوة الإسلام كدين، وفي الاعتقاد به، وفي مثله، ومؤاخاته بين مختلفي الجنس واللون والثقافة. فأول عامل من عوامل قوة المسلمين التي يذكرها هو العقيدة الإسلامية. وهذه العقيدة قوتها في أنها العقيدة الصحيحة التي توافق فطرة الإنسان، وتقنع العقل، فتملأ القلب طمأنينة وسعادة وسكينة. نعم، هذه العقيدة هي مصدر قوة المسلمين، لأنها أعطتنا أنظمة للحياة؛ أعطتنا نظامًا اقتصاديًا، ونظامًا اجتماعيًا، ونظامًا تعليميًا، ونظامًا قضائيًا، ونظام عقوبات. أنظمة ربانية ومعالجات لمشاكل البشر تؤدي إلى سعادة الإنسان في هذه الحياة، والنجاة في الآخرة. ثم يذكر نقطة المؤاخاة، أي رابطة الأخوة الإسلامية، هذه الرابطة الصلبة والمتينة التي لا تفرق بين الأجناس والألوان واللغات والأعراق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى. نعم، هذه الرابطة الصلبة التي تجعل من المسلمين جسدًا واحدًا، وبنيانًا مرصوصًا يشد بعضه بعضًا. إذن، هذه أول نقطة يذكرها هذا المفكر الغربي. ثم ينتقل إلى النقطة الثانية فيقول: وفرة مصادر الثروة الطبيعية التي تمتد من المحيط الأطلسي على حدود المغرب غربًا، إلى المحيط الهادي على حدود إندونيسيا شرقًا، وتمثل هذه المصادر العديدة وحدة اقتصادية قوية واكتفاءً ذاتيًا لا يدع المسلمين في حاجة مطلقًا إلى أوروبا أو غيرها إذا ما تقاربوا وتعاونوا. النقطة الثانية التي يذكرها: واحدة من نعم الله على هذه الأمة، أن حباها بموارد وثروات طائلة وهائلة في العالم الإسلامي؛ موارد تحت الأرض وفوق الأرض، وموقع استراتيجي، وممرات تجارية عالمية. كل هذه المقدرات، ومع ذلك نجد حالة الفقر والخصاصة في المسلمين، لأن هذه الموارد وهذه الثروات لا توزع بحسب نظام الإسلام، ولا يُتصرف فيها وفق أحكام الله جل وعلا. لأن النظام الاقتصادي في الإسلام تتوزع بحسبه هذه الثروات توزيعًا عادلًا كما يحبه الله ويرضاه. ولا أقول إن أحكام الإسلام تقضي على الفقر فقط، وإنما تؤدي إلى بحبوحة العيش، لا أن تبقى هذه الثروات نهبًا لتلك الدول الاستعمارية. إذن، النقطة الثانية التي يذكرها هي تلك الموارد والثروات والموقع الاستراتيجي لهذه الأمة. ثم يمر إلى النقطة الثالثة، أو العامل الثالث من عوامل قوة هذه الأمة الإسلامية، فيذكر خصوبة النسل البشري لدى المسلمين، مما جعل قوتهم العددية قوة متزايدة. وهذه أيضًا من عوامل قوة الأمة الإسلامية، إذ يمثل المسلمون تقريبًا ربع سكان العالم. لكن الأهم ليس العدد، بل كون معظمهم من الشباب. في الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات الأوروبية والمجتمعات الغربية عمومًا من مرض مزمن، وهو الشيخوخة؛ فهي مجتمعات هرمة، والشباب هم عدة التغيير، وهم الذين يُعوَّل عليهم في التقدم والنماء، حتى في القتال وفي غيره. إذن، أمة شابة، لها عقيدة صحيحة تعطيها المعالجات في الحياة، وتربط بين أفرادها أخوة إسلامية صلبة، وموقع استراتيجي عالمي، ماذا ستنتج هذه الوصفة لو اجتمعت ولو توحدت؟ هو نفسه يقول: فإذا اجتمعت هذه القوى الثلاث، فتآخى المسلمون على وحدة العقيدة، وسدَّت ثرواتهم الطبيعية حاجات أعدادهم المتزايدة، كان الخطر الإسلامي خطرًا منذرًا بفناء أوروبا، وبسيادة عالمية على منطقة هي مركز العالم. لعلكم بعد هذا الكلام الواضح، والذي لا يحتاج تفسيرًا ولا تفصيلًا، أدركتم الآن لماذا أنتم مستهدفون، ولماذا يستهدف الغرب، بقيادة أمريكا، هذه الأمة الإسلامية، وخاصة يستهدف وحدتها وعقيدتها؛ لأنها تمثل خطرًا وجوديًا على هذه الحضارة الغربية المتوحشة واللاإنسانية. نعم، لذلك يسعى الغرب دائمًا وأبدًا لإثارة الفتنة والاقتتال بين المسلمين، وتقسيمهم على أسس عرقية وطائفية ومذهبية وجهوية وقومية، وغيرها من هذه النعرات الجاهلية، ليحول دون نهضة هذه الأمة ووحدتها. أيها الإخوة الكرام، هذا هو واقع الحال، واقع هذه الأمة وما تعانيه، وما غزة إلا جرح من جراحها. لذلك، على المسلمين أن يجعلوا من الوحدة قضية في حياتهم، بل قضية مركزية مصيرية، يبذلون في سبيلها الغالي والنفيس. نعم، وأبسط الأعمال التي يقوم بها المسلم من أجل المساهمة في هذا العمل هو نشر هذه الحقائق التي قمنا بذكرها، لكي نفوّت الفرصة على المبغضين والحاقدين للإسلام والمسلمين، عربًا وعجمًا، يهودًا ونصارى. علينا أن نعمل بوصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "كلكم على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتينَّ الإسلام من قبلكم". واعلموا، إن نحن قمنا بما يجب علينا، وتحملنا مسؤولية هذه المهمة، فسنكون من السابقين الأولين. أما إن نحن فرَّطنا أو قصَّرنا، فاعلموا يا عباد الله أن الله سبحانه وتعالى سيأتي بقوم آخرين يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الله يغرس في هذه الأمة غرسًا، يستعملهم في طاعته". اللهم اجعلنا من هذا الغرس، اللهم استعملنا ولا تستبدلنا يا رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. لما غزا الصليبيون بيت المقدس، ذبحوا أهله، وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، وعاثوا في الأرض فسادًا، وانتهكوا الأعراض، ودنسوا المقدسات، ورفعوا صليبهم فوق قبة الصخرة، واتخذوا من المسجد الأقصى المبارك، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إسطبلًا لخيولهم. حتى جاء القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. فأول خطوة قام بها صلاح الدين من أجل تحقيق ذلك الإنجاز العظيم، وهو تحرير بيت المقدس، كانت العمل على وحدة المسلمين؛ فوحَّد مصر والشام، وانطلق بهم فاتحًا، واسترد بيت المقدس والمسجد الأقصى إلى حياض المسلمين. وكذلك اليوم، لا طريق لتحرير فلسطين، أو أي جزء مغتصب من أرض أو مقدسات، في فلسطين أو في غيرها، إلا بالعمل على وحدة المسلمين، إلا أن تستعيد الأمة وحدتها، وأن توحد كلمتها على رجل منها مخلص، يسوسها بالإسلام، ويقودها لتحرير المسجد الأقصى من أيدي الصهاينة المجرمين. أيها الإخوة الكرام، إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالوحدة، وأكد أن هذه الأمة أمة واحدة، لا يجوز أن تُقسَّم أو تُجزَّأ، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. فيجب على هذه الأمة أن تتوحد في العقيدة، وفي المنهاج، وفي الكيان السياسي، ولا يجوز أن تُجزَّأ إلى دويلات ضعيفة ومتنافرة، كما يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وهو أمر صريح بالوحدة، ونهي عن التشرذم والفرقة. أيها الناس، لن يتأتى لكم تحرير فلسطين إلا بوحدة المسلمين، ولن يتأتى إنقاذ هذه الأمة مما هي فيه من مآسٍ، إلا بأن ترجعوا إلى ربكم، وتقوُّوا صلتكم به سبحانه وتعالى، وأن نستمد العون منه وحده، وأن نتوكل عليه حق توكله سبحانه وتعالى، وأن نجعل رضوان الله غاية غاياتنا في هذه الحياة، تُبذل في سبيلها الأنفس والأرواح والأموال. نعم، فلا سند لكم إلا الله، ولا قوة إلا بالله، ولا ناصر ولا معين إلا هو سبحانه وتعالى، نعم المولى ونعم النصير. الدعاء اللهم يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا قوي يا عزيز، يا ناصر المظلومين، ويا قاهر الظالمين، اللهم عجِّل لنا بفرجك، اللهم عجِّل لنا بنصرك. اللهم إنا مغلوبون فانتصر لنا، اللهم إنا مغلوبون فانتصر لنا، اللهم إنا مغلوبون فانتصر لنا، ضعفاء فقوِّنا. اللهم انزع من قلوبنا حب الدنيا والتعلق بها يا رب العالمين، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. اللهم ألِّف بين قلوبنا، ووحِّد صفوفنا، واجعلنا كالبنيان المرصوص. ربنا ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. يا لطيف يا الله، يا لطيف يا الله، اللهم الطف بإخواننا في غزة، اللهم الطف بهم يا رب العالمين، اللهم وكن معهم يا أرحم الراحمين، ثبِّت أقدامهم، وسدِّد رميهم، وأطعم جائعهم، وآمن خائفهم، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم وتآمر عليهم. يا قوي يا عزيز، يا جبار السماوات والأرض، اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم جنِّبنا ونساءنا وأبناءنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. يا رزاق يا كريم، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وأموالنا من الربا، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يا قوي يا عزيز، يا جبار السماوات والأرض، يا قهار، يا الله، يا عظيم، يا الله، يا قوي، يا الله، يا كبير، يا الله. اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيرًا فخذ بيده ووفقه لكل خير، ومن أراد بالإسلام والمسلمين شرًّا فخذه أخذ عزيز مقتدر، إنهم لا يعجزونك يا رب العالمين. توفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اقرأ المزيد👁️ 1 مشاهدة

تصفح حسب الموضوع

لقد قمنا بتصنيف الخطب لنسهل عليك عملية البحث والوصول للموضوع المراد بسرعة

العباداتالقرآن والسنةالأخلاق والآدابالأسرة والمجتمعالمناسبات الدينيةالفقه والأحكامالسيرة النبوية

💡 ضمان جودة المحتوى

جميع الخطب المقترحة تتم مراجعتها من طرف نخبة من العلماء الشرعيين مع امكانية تعديلها قبل نشرها لضمان جودة الخطب على الموقع.